ونيس: ليبيا تحتاج إلى مشروع يحول ما تمتلكه إلى قوة حقيقية تدعم بناء الدولة

قال عضو مجلس الدولة الاستشاري، سعيد ونيس، إن ليبيا تمتلك مقومات جغرافية واجتماعية واقتصادية تؤهلها لبناء نموذج تنموي متقدم وتعزيز دورها الإقليمي والدولي، إلا أن سوء الإدارة والتدخلات الخارجية وشبكات المصالح المحلية أسهمت في تعطيل هذه الإمكانات وتحويلها من عناصر قوة إلى مصادر للأزمات والاستنزاف.
وأوضاف ونيس، عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، أن الأزمة الليبية ترتبط بثلاثة عناصر رئيسية تتمثل في الجغرافيا والمجتمع والثروة، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد أو الإمكانات، بل في طريقة إدارتها وتوظيفها لخدمة مشروع الدولة.
وأشار إلى أن الموقع الجغرافي لليبيا، باعتبارها حلقة وصل بين العمق الإفريقي والبحر المتوسط والأسواق الأوروبية، كان يفترض أن يجعلها مركزاً إقليمياً للتجارة والنقل والطاقة والخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية.
لكنه رأى أن ضعف إدارة الحدود والمجال السيادي سمح بتحول بعض المسارات إلى ممرات للهجرة غير النظامية وشبكات تهريب البشر والممنوعات والجرائم المنظمة العابرة للحدود، بما أضعف الاستفادة من الموقع الاستراتيجي وأوجد تحديات أمنية واقتصادية متزايدة.
وفي ما يتعلق بالعنصر الاجتماعي، أكد ونيس أن المجتمع الليبي يمتلك رصيداً تاريخياً من الروابط المشتركة والمصاهرة والتواصل بين مكوناته، مستشهداً بمسيرة النضال الوطني ضد الاستعمار بوصفها نموذجاً للتكاتف بين مختلف مناطق البلاد.
وأضاف أن غياب الحياة الحزبية والمدنية وضعف المؤسسات السياسية الحديثة أسهما، بحسب تقديره، في تصاعد الجهوية والقبلية والمحاصصة، وتحول بعض الوظائف والمواقع العامة إلى استحقاقات لمراكز النفوذ بدلاً من أن تكون مسؤوليات تُسند وفق الكفاءة والجدارة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فلفت عضو مجلس الدولة إلى أن ليبيا لم تنجح في توظيف ثرواتها النفطية والغازية لبناء قاعدة إنتاجية متنوعة، أو تطوير الصناعات التحويلية التي تضيف قيمة محلية إلى الموارد الطبيعية وتوفر فرص العمل.
وأشار إلى أن جزءاً من النشاط الاقتصادي تحول إلى التنافس على المال العام والاعتمادات والمناصب، بدلاً من الاستثمار والإنتاج، لافتاً إلى وجود مدخرات وسيولة معطلة خارج الدورة الاقتصادية، سواء في المنازل أو المصارف، إلى جانب أموال خرجت إلى الخارج عبر قنوات غير مشروعة.
كما انتقد ضعف قدرة القطاع المصرفي على تحويل السيولة المتاحة إلى تمويل استثماري فعال، معتبراً أن الاختلالات الهيكلية في منظومة الإقراض والتمويل، بما فيها التطبيق العملي لبعض صيغ التمويل الإسلامي، حدّت من دور المصارف في تحريك المدخرات وتنشيط الاقتصاد.
وخلص ونيس إلى أن الجغرافيا الليبية لم تتغير، والمجتمع لم يفقد روابطه التاريخية، والثروة الطبيعية لا تزال قائمة، لكن الخلل يكمن في إدارة هذه المقومات وطبيعة المشروعات السياسية والاقتصادية التي تحكمت في توظيفها.
ودعا إلى تحويل الموقع الاستراتيجي إلى مركز للتجارة والطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية، مع تأمين الحدود واستعادة السيطرة على المجال السيادي، وبناء مشروع وطني جامع ينهي المحاصصة ويرسخ الكفاءة وتكافؤ الفرص.
كما شدد على ضرورة الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، وتوطين الصناعات التحويلية، وتعبئة المدخرات الوطنية، وإصلاح النظام المصرفي والتمويلي، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار وخلق القيمة المضافة.
وأكد أن نهضة ليبيا لا تتطلب البحث عن موارد جديدة أو استيراد نماذج جاهزة، بقدر ما تحتاج إلى مشروع وطني قادر على تحويل ما تمتلكه البلاد من مقومات جغرافية واجتماعية واقتصادية إلى قوة حقيقية تدعم بناء الدولة وتعزز استقرارها.









